يرى يوناس ييزيو، الباحث في «هورن ريفيو»، أن تفكير مصر تجاه إثيوبيا انتقل من كونه نزاعًا ثنائيًا يتركز أساسًا على ملف المياه إلى استراتيجية إقليمية متعددة المستويات، تجمع بين الحشد الشعبي والتقييمات الأمنية المؤسسية والشراكات العملياتية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويشير الكاتب إلى أن هذا النهج يمزج بين سرديات تهديد مبسطة موجهة إلى الجمهور المحلي وحسابات تتعلق بتماسك الدولة الإثيوبية وموقعها الجغرافي وتوازنات القوى المتغيرة.
ويستعرض التحليل الذي نشره هورن ريفيو طريقة قراءة المؤسسات المصرية للملف الإثيوبي، موضحًا أن الخطاب العلني والتحليل الأمني المؤسسي يعملان على مسارين متكاملين. وبينما تبدو السياسة المصرية مجزأة في أدواتها، فإن منطقها الاستراتيجي يرتبط بصورة وثيقة بين ملفات النيل والبحر الأحمر والصومال وإريتريا والسودان.
بين الخطاب السياسي والتقييمات الأمنية.. كيف تقرأ القاهرة إثيوبيا؟
تُطرح السياسة الخارجية غالبًا من خلال مفاهيم المصلحة الوطنية والأمن والسيادة، لكن الكاتب يلفت إلى أن السياسة المصرية تجاه إثيوبيا تجمع بين خطاب جماهيري يقوم على تبسيط التهديدات وحسابات أكثر براجماتية تستند إلى المصالح والقيود والقدرات والتغيرات الاستراتيجية. ويستخدم التحليل مفهوم «السياسة الخارجية الديماجوجية» لوصف توظيف السرديات المبسطة والرسائل العاطفية والحشد السياسي لتشكيل التصورات الداخلية وتبرير المواقف الخارجية.
ويشير الكاتب إلى أن ما يميز المؤسسة الأمنية المصرية عن الدبلوماسية العامة لا يرتبط فقط بنبرة الخطاب، وإنما أيضًا بطبيعة المهام المؤسسية. ويستدل على ذلك بتزايد انخراط جهاز المخابرات العامة المصرية في ملفات إثيوبيا وإريتريا والصومال والسودان، بما يوحي بأن القرن الأفريقي يُعامل باعتباره ملفًا استخباراتيًا إقليميًا قائمًا بذاته.
ويرى التحليل أن هذا الدور يسمح بمتابعة مستمرة للملفات الداخلية في إثيوبيا، بما يشمل تحالفات النخب والتوازنات العرقية والنشاط السياسي المعارض وشبكات الشتات وتحركات الجماعات المسلحة والتطورات العسكرية. كما تنظر دوائر الأمن المصرية إلى قدرة إثيوبيا على الحفاظ على تماسكها الداخلي باعتبارها مؤشرًا مبكرًا على سلوكها الإقليمي المستقبلي.
فالدولة الإثيوبية القادرة على إدارة توتراتها الداخلية قد تصبح طرفًا أكثر صلابة في المفاوضات، وفي الوقت نفسه منافسًا إقليميًا أكثر فاعلية، قادرًا على تحويل ثقله السكاني وقدراته الكهرومائية وموقعه الدبلوماسي إلى نفوذ مستدام. أما تراجع التماسك الداخلي فقد يزيد قابلية أديس أبابا للضغوط الخارجية ويحد من قدرتها على تنفيذ سياساتها.
مصر تربط سد النهضة بالبحر الأحمر والصومال والسودان
يتمثل التحول الأبرز في التفكير المصري، وفق التحليل، في دمج ملفي سد النهضة والبحر الأحمر ضمن إطار استراتيجي واحد. فبعد أن أصبح واضحًا للقاهرة أن وقف مشروع سد النهضة أو تقييد تشغيله بشدة عبر المفاوضات وحدها أمر بالغ الصعوبة، اتجه التفكير إلى منع إثيوبيا من الحصول على موطئ قدم مؤثر على البحر الأحمر.
ويرى الكاتب أن امتلاك إثيوبيا منفذًا بحريًا قد يحول موقعها الجغرافي كدولة حبيسة إلى منصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وتوسيع صادرات الطاقة وحضورها الأمني. ومن ثم، تسعى القاهرة، وفق هذا التحليل، إلى تعقيد حصول أديس أبابا على هذا النفوذ عبر بناء شراكات ونقاط ضغط على امتداد محيطها الإقليمي.
ويبرز الصومال باعتباره أحد أهم أدوات هذه الاستراتيجية. فقد وقعت مصر والصومال في أغسطس 2024 اتفاقًا للتعاون العسكري، عقب مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال والتي سعت بموجبها أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري مقابل اعتراف محتمل بأرض الصومال.
وعمقت القاهرة علاقاتها مع مقديشو عبر إمدادات السلاح والتدريب وبناء قدرات الجيش الصومالي والمشاركة بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال. كما واصلت مصر مناقشة مشاركتها في البعثة ودعم المؤسسات الصومالية، بما يمنحها دورًا أمنيًا متعدد الأطراف في القرن الأفريقي ويربط مسألة السيادة الصومالية بمفهوم أوسع لأمن البحر الأحمر.
أما السودان، فيربط النزاع حول مياه النيل بالمخاوف الأمنية المصرية على حدودها الغربية والجنوبية، ويشكل ساحة تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية المصرية والإثيوبية بصورة مباشرة. ويحافظ السودان على أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، إذ يمنح وجود شريك متوافق معها على الضفة الغربية للنيل الأزرق مصر مساحة للتأثير في الحسابات الإثيوبية، خصوصًا بالقرب من المناطق الحدودية وسد النهضة.
من مواجهة سد النهضة إلى استراتيجية احتواء إقليمية
يقسم التحليل تطور التفكير المصري تجاه سد النهضة إلى ثلاث مراحل رئيسية. ركزت المرحلة الأولى، بين عامي 2011 و2020 تقريبًا، على محاولة منع بناء السد أو تقييد تشغيله والتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن الملء والتشغيل، مع تدويل القضية عبر مجلس الأمن وجامعة الدول العربية والاتصالات الثنائية.
ومع بدء إثيوبيا عمليات الملء، انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة ركزت على كيفية تشغيل السد بدلًا من التساؤل حول إمكانية إنشائه. وشهدت المرحلة الثانية محاولات مصرية لإدراج القضية ضمن أطر أوسع تشمل الاتحاد الأفريقي والسودان واستمرار التحركات الدبلوماسية متعددة الأطراف، في ظل تعثر المفاوضات وغياب اتفاق ملزم.
ومنذ عام 2024، دخل الملف، بحسب الكاتب، مرحلة ثالثة تتسم بإضفاء الطابع الإقليمي عليه، مع تعميق العلاقات المصرية مع الصومال وإريتريا والسودان، بالتوازي مع مساعي القاهرة للتأثير في ترتيبات أمن البحر الأحمر والتأكيد على أن مسؤولية أمنه ينبغي أن تظل حكرًا على الدول المطلة عليه، وهو طرح يستبعد ضمنيًا إثيوبيا بوصفها دولة غير ساحلية.
ويعكس هذا التحول إدراكًا مصريًا بأن تقييم قوة إثيوبيا لا يمكن أن يقتصر على مفاوضات المياه. فتعزيز أديس أبابا لسلطتها الداخلية، وحصولها على منفذ بحري موثوق، وتوسيع علاقاتها مع دول الخليج وآسيا، وزيادة صادراتها من الطاقة، كلها عوامل قد تعزز قدرتها على مقاومة الضغوط المصرية.
https://hornreview.org/2026/09/21/egypts-policy-thinking-toward-ethiopia-how-cairos-institutions-read-ethiopia/
وفي المقابل، ترى القاهرة أن بناء شراكات تضيق هامش الخيارات أمام إثيوبيا في ساحات متعددة قد يقلل الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ولا يبدو الهدف، وفق التحليل، عزل إثيوبيا بالكامل، وهو أمر غير واقعي بالنظر إلى حجمها وثقلها الاقتصادي ومكانتها في الدبلوماسية الأفريقية، بل الحد من قدرتها على تحويل مزاياها الجغرافية والديموجرافية إلى نفوذ إقليمي غير محدود.
ويخلص يوناس ييزيو إلى أن التفكير المصري تجاه إثيوبيا يجمع بين تقييمات أمنية مفصلة وأدوات مؤسسية وجغرافية متفرقة، لكنها تلتقي في منطق استراتيجي واحد. ويستخدم الخطاب العام لحشد الدعم الداخلي وتأطير النزاع باعتباره قضية وجودية، بينما ترصد المؤسسات الأمنية نقاط الضعف الداخلية الإثيوبية ومصادر الضغط الإقليمي، وتحول الشراكات مع الصومال وإريتريا والسودان هذه التقييمات إلى أدوات ضغط عملية.
وبذلك لا تبدو السياسة المصرية، وفق التحليل، ديماجوجية خالصة ولا تقنية بحتة، بل استراتيجية هجينة يجري فيها توظيف الخطاب العاطفي لترسيخ الأساس السياسي، بالتوازي مع ضغوط براجماتية متعددة المسارات للتأثير في البيئة التي تتحرك فيها إثيوبيا. ويبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة إثيوبيا على الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستمرار الشراكات الإقليمية المصرية، ومواقف القوى الخارجية التي تواصل الانخراط مع البلدين.

